محمد أبو زهرة

1535

زهرة التفاسير

الأدلة التي لا مجال لإنكارها ، ومع أن ما يدعو إليه معقول في ذاته ، وفيه مصلحتهم في الدنيا والآخرة ، وإذا كانت الطاعة في الدنيا غير ثابتة ، فإن اللّه سبحانه وتعالى جعل الآخرة دار الطاعة والقرار ، ودار الجزاء والثواب والعقاب ، وما الحياة الدنيا إلا سبيل لما يكون يوم القيامة ، ولذا قال سبحانه : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . ذكر سبحانه وتعالى هذه الكلية الثابتة لبيان الجمع الحاشد يوم القيامة الذي يتقدم فيه كل امرئ بما قدم من عمل ، إن خيرا فجزاؤه خير ، وإن شرا فجزاؤه شر ، وهنا إشارات بيانية رائعة ككل إشارات القرآن ؛ وذلك لأنه عبر عن إقبال الموت بذوقه ، للإشارة إلى أنه عند ذوق الموت سيكون المذاق إما مرا حنظلا يومئ إلى ما يتبعه من عقاب ، وإما أن يكون المذاق حلوا هنيئا ، فيكون إيماء إلى ما يكون يوم القيامة من نعيم مقيم ، والتعبير عن حلول الأجل في الدنيا بذوق الموت فيه استعارة بتشبيه الموت عند إقباله الرهيب أو الرغيب بالأمر الذي يذاق فيؤلم ، أو يذاق فيسعد . وهنا إشارة بيانية أخرى رائعة هي أنه أسند ذوق الموت إلى النفس ، ولم يسنده إلى الشخص ؛ لأن النفس روح ، والشخص جزءان جسم ونفس ، وإن النفس تبقى بعد مفارقة الجسم ، فهي التي تذوق الموت ، كما ذاقت الحياة الدنيا ، فإسناد الذوق إليها لأنها باقية ، وقد تغيرت حياتها من حال إلى حال ، فبعد أن كانت في غلاف من جسم من الطين ، قد تجردت أبدا منه حتى تلتقى به يوم البعث والنشور . وبعد أن تذوق النفس طعم تلك النقلة من متاع الدنيا الزائل إلى الآخرة ، يكون الجزاء من نعيم أو جحيم ، ولذا قال سبحانه : وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . والأجر هو العطاء خيرا أو شرا ، والقيامة هي قيام الساعة لرب العالمين ، وتقويم أعمالهم من خير وشر بالميزان الدقيق ، والحساب الذي لا يترك صغيرة ولا